القواسم المشتركة للدستور القادم - زهير كاظم عبود
عملية بناء النصوص لمسودة الدستور العراقي عملية غاية في الأهمية لاشك في ذلك ، وتأتي تلك الأهمية كون هذه الوثيقة المقدسة قانوناً سترسم العمل الدستوري والقانوني والسياسي وكل مفاصل الحياة العراقية للمستقبل العراقي ، بالأضافة الى تحديدها وبشكل واضح الحقوق والواجبات للعراقيين بصرف النظر عن أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم وأجناسهم ، وترسم الحماية الدستورية من خرق القوانين والتعسف الذي يتعرض له المواطن .
وتتحمل الجمعية الوطنية العراقية بأعتبارها الممثل الشرعي والحقيقي عن الشعب العراقي ، والتي انتخبها ابناء العراق بالرغم من كل تحمله معها من سلبيات ، تتحمل مسؤولية بناء هذه المسودة ، حيث أختزلت جهدها بتكليف لجنة لأعداد مسودة الدستور .
والمتابع لهذه العملية يجد ان الجمعية الوطنية تماهلت كثيراً في الأعداد لهذا المشروع العراقي المهم ، بالرغم من معرفتها بأهمية هذه المسودة ، وكون المشروع سيتم طرحه للمناقشة الشعبية قبل الأستفتاء عليه ، وأخيراً تم تسمية عدد من أعضاء الجمعية وتكليفهم بأعداد مسودة للدستور العراقي ، على ان تشكل نصوص المسودة التوافق العراقي ، وتثبت القواسم المشتركة ، فالدستور لايتم رسمه من قبل جهة سياسية منفردة ، ولايمكن ان يعبر عن افكار حزب سياسي معين ، كما لايمكن ان يتم تحديدة لوجهة نظر كتلة معينه واحدة ، على أساس ان المشروع هو ليس فقط لكل العراقيين ، بغض النظر عن اديانهم ، والعراق بلد متعدد الأديان ، اذ يضم بالأضافة الى المسلمين المسيحيين واليهود والمندائيين والأيزيدية ، والعراق بلد متعدد القوميات أذ بالأضافة الى العرب يضم الكرد والتركمان والكلدان والاشوريين ، كما يتوجب على القائمين بالأعداد أن يستوعبوا الحقوق التي تم تهميشها من قبل الدساتير المؤقتة السابقة والتي تخص شرائح عراقية مهمة منها شريحة الكرد الفيلية والشبك .
ولهذا فأن المشروع ليس فقط لحياة العراقيين آنيا ، وانما الضمانة الأكيدة لحياة عراقية مشتركة مبنية على اسس الأستفادة من تجارب العراق المريرة الماضية ، ويرسم ايضاً الحلول الجذرية للأشكاليات والمشاكل التي عانى منها الانسان العراقي .
وأذا كانت جميع الأطراف ممثلة في هذه اللجنة ، وأمام زخم الكتابات والأهتمامات التي سطرها وأشار اليها المهتميمن سياسياً وقانونيا وثقافياً في الملامح العامة لمسودة الدستور ، كان يستوجب على اللجنة المكلفة أن تضع القواسم المشتركة في صدارة الأتفاق على نصوص تعبر عن هذا الأتجاه ، ثم تناقش بقية الأشكاليات وفقاً لمصلحة العراق وليس وفقاً لوجهة نظر الجهة السياسية التي يتبعها عضو لجنة أعداد مسودة الدستور .
وأذا كانت المفاصل الأراس في المسودة وهي علاقة الدين بالدولة والتشريع والفيدرالية وتقاسم الثروات ، لم يتم الاتفاق عليها لغاية انتهاء الفترة التي حددها قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الأنتقالية في نص الفقرة ( أ ) من المادة 61 منها ، والتي اوجبت على الجمعية الوطنية كتابة مسودة الدستور في موعد اقصاه 15 آب 2005 ، ليصار الى عرض المسودة على الشعب العراقي للموافقة عليها بأستفتاء عام ، وفي الفترة التي تسبق أجراء الأستفتاء ، تنشر مسودة الدستور وتوزع بصورة واسعة لتشجيع النقاش العام بين ابناء الشعب العراقي بشأنها .
وحيث لم يتم الاتفاق على القواسم المشتركة ، مما يعني ان اللجنة التي تشكلت لأعداد المسودة ، لم تزل تختلف في التفكير والوصول الى قواسم مشتركة ، وان تضع اللجنة مصلحة العراق امامها قبل المصلحة الحزبية ، فلم يتم الاتفاق على المسائل الأساسية والمهمة للحياة العراقية القادمة ، وصار الأمر باللجوء الى نص الفقرة ( و ) من نفس المادة 61 ، وهو نص يتم اللجوء اليه (( عند الضرورة )) لأكمال كتابة المسودة ، بشرط ان يوافق الأغلبية في الجمعية الوطنية ليتم التأكيد لمجلس الرئاسة أن هناك حاجة ضرورية لوقت أضافي لأكمال كتابة المسودة ، ومنح القانون مدة ستة اشهر ، على أن يقوم مجلس الرئاسة بتمديد المدة لكتابة مسودة الدستور .
وأخيراً وبعد مخاض عسيرلم
تتم ولادة المسودة ، وتم الأتفاق على تمديد الفترة المقررة ليصار الى تعديل التاريخ
الى 22 آب 2005 ، وبقيت الأختلافات في وجهات النظر قائمة ، مما يدل على أن هذه
الأختلافات ليست وجهات نظر أنية وأنما ثابتة وعميقة ، والسؤال الذي يحير الشارع
العراقي ، يكمن في مدى أمكانية أتفاق هذه الأطراف خلال هذا الأسبوع على المفاصل
الأساسية المختلف عليها ، وهي كما ذكرنا من بين أهم نصوص المسودة خلال أسبوع واحد ،
بعد مرت عشرات الأسابيع دون ان نجد تلك الهمة وذاك الأهتمام بالمستقبل العراقي ،
وسط تصريحات ومشاريع تطرح تشعر المواطن العراقي بالخشية على مستقبلة من هذه الأفكار
التي يتم طرحها بين الفترة والأخرى .
ثمة مسألة مهمة ينبغي الألتفات اليها ، ولعلها تكون سابقة لأوانها ، وهي أن نص
الفرة ( ب ) من المادة ( 61 ) أوجبت طرح المسودة على الشعب العراقي ، وجائت الكلمة
مطلقة ، ويعرف اهلالقانون ان المطلق يجري على أطلاقه ، ولهذا فأن حرمان الملايين من
العراقيين خارج العراق من المشاركة بهذا الأستفتاء ، يبطل مشروعية الأستفتاء الذي
يجريه قسم من الشعب العراقي حيث لاتوجد اية مشروعية لهذا الحرمان ، واللافت للنظر
في هذا الأمر التصريحات المبكرة للمفوضية العليا في التوجه لحرمان ملايين العراقيين
خارج العراق من المشاركة .
ومن جانب آخر كنا نتوقع أن الكتل الأساسية المتشكلة في الجمعية الوطنية ستعي حقائق العراق وتستوعب أشكالياته وتجد وفق فهمها الواسع للمستقبل العراق ، الحلول والقواسم المشتركة لمسودة الدستور ، فالأمر ليس ما تستطيع ان تربحه جهة ما ، وليس كسب مغانم وتوزيع مصالح ، ثمة مستقبل للأنسان العراق يقع على عاتق الكتل السياسية المتشكلة في البرلمان مهمة ضميرية وتاريخية سيسجلها التاريخ العراقي لهم ، فأن خابوا ولم يستطيعوا أن يتوصلوا الى رسم مسودة للمستقبل العراقي ، فكيف يمكن التفكير حل هذه الأشكاليات خلال فترة الأسبوع ؟ مع وجود مهمات وطنية ليست بالسهلة واليسيرة ينبغي ان يتم الأرتقاء في أداء الجمعية والحكومة الى مستوى خطورتها ، وهي التصدي بحزم للأرهاب والتطرف المنتشر في العراق ، وحل مشاكل المواطن العراقي اليومية والتي صارت مزمنة تحت سيل جارف من الوعود والأحلام التي ترسمها الحكومات المؤقتة ، بالأضافة الى وضع مزري يكمن في رشاوى وأختلاسات وصفقات لمسؤولين لم يسمع أي عراقي أن القانون والعدالة قد طالت منهم ، بالرغم مما نسمعه بين الحين والاخر من قصص وأتهامات تختفي ملفاتها ويرحل اشخاصها دون ان نعرف الحق من الباطل ، والصحيح من الملفق .
لم نزل نقول ان القواسم
المشتركة تكمن في أن تضع اللجان المختصة أمام انظارها شعب العراق اولاً ، ومستقبل
العراق ثانياً ، ومايشترك به اهل العراق ثالثاً .
حينها ستكون كل المحاور التي شكلت مثار جدل او اختلاف في وجهات النظر قريبة من بعض
، وان يتم طرحها للمناقشة حيث تم التعدي على حق الشعب في فترة المناقشة التي ستكون
مثمرة وجدية وجديرة بالأهتمام ، بالنظر لتنوع وجهات النظر العميقة التي أظهرها
المختصين والمثقفين والسياسيين العراقيين في هذا الجانب .