|
من قتل وردة السوسن ؟ ( من واقع الكورد الفيليين ) .. نظيرة إسماعيل كريم أتعلمين إن سوسن ماتت...؟
كان عدد كبير من بنات الكورد الفيلية يدرسن في مدرسة اشبيلية ، آنذاك وكن من أذكى طالباتها والسباقات في المشاركة في النشاطات المدرسية الفنية منها والرياضية . وفي يوم من الأيام ، استهزأت إحدى الطالبات العرب بالكورد ونعتتهـم ( بالحمير وبأنهم كلهم حماميل والعرب هم أصحاب الفضل عليهم لأنهم سووا ابراسهم خير ) وردت عليها طالبة كوردية أنه لا يحق لها أن تتكلم بهذا الأسلوب علينا ، خرجت مجموعة من الطالبات العرب الأخريات في الدفاع عن تلك الطالبة ونشبت مشادة كلامية بيننا وبينهم وانتهت بالصياح والصراخ وشد الشعر ، وتدخلت المديرة وأرسلت الجميع إلى الصفوف . وفي اليوم التالي استدعت أمهاتنا نحن الكورديات فقط لكي تحذرهن من تصرفنا الخطر حسب قولها ، وانه علينا أن لا نثير قضايا سياسية في المدرسة ولولا معرفتها بأن عوائلنا أناس طيبين لاتخذت إجراء آخر ضدنا !!! ... لم أنسى ذلك الحادث أبدا ، الذي دفعني إلى التفكير بأمور كثيرة على الرغم من حداثة سني ، ومنها لماذا نحن الكورد مميزون عن غيرنا ؟ لكن توالي الأحداث الدامية بحق الكورد بشكل عام وأبناء شريحتنا الكوردية الفيلية بشكل خاص أوضحت لي تدريجياً تلك الأسباب. انتقلنا عام 1963 من منطقة العطيفية إلى منطقة أخرى في بغداد ، ولم أرى سوسن سنوات طويلة ، إلا إن التقينا صدفة في أوائل عام 1980م. في حفلة زفاف إحدى بنات هذه العائلة الكريمة ... وكانت هي قد غدت شابة فاتنة لها جمال الغجر بعيونها السوداء الواسعة وشعرها الأسود المجعد وكانت تنقصها وردة حمراء تضعها على شعرها حتى تغدو كغجر اسبانيا الفاتنات ... كانت نجمة يشع الفرح من كل وجودها ... وتزين حلقة ذهبية يدها اليمنى ... أشرت بعيني إليها متسائلة ؟ فهمست في أذني لارتفاع صوت الموسيقى وازدحام ذلك البيت العامر بالمدعوين ... أنها مخطوبة ... قلت : مبروك ، لمن ؟ أجابت بابتهاج لصالح ابن حجي موسى وهم عائلة كوردية فيلية أخرى معروفة بين أبناء شريحتنا بعراقتها وغناها الفاحش آنذاك وفيما بعد لكثرة شهداءها من المغيبين من شباب العائلة ... كانت لا تسعها الدنيا من السعادة ... وكيف لا والله عز وجل لم يبخل عليها بأي من نعمه التي أنعمها على البشر . شاء القدر ، أن نلتقي بعد شهور مجدداً ، وهذه المرة في المنفى ... حيث كانوا جيران لنا في منطقة أميرية بطهران ، فقد تعرضوا وتعرضنا لجريمة التهجير القسري التي نفذتها ضد شريحة الكورد الفيلية عقول شوفينية صماء ، وحجزت قوات الأمن البعثية أثنين من أخوتها وكان أحدهم طالباً في الجامعة والآخر جندي عسكري يخدم الوطن لكي يدافع عنه في المحن ولكن الحكام البعثيين أخذوه وأخذوا أخيه وعمه وخاله وسائر شباب الكورد الفيليين رهائن وزجوا بهم في زنزانتهم البغيضة المرعبة بعد تهجير عوائلهم قسراً إلى إيران ومصادرة كافة أموالهم المنقولة وغير المنقولة وإسقاط الجنسية العراقية عنهم وبعد فترة تم تهجير عائلة خطيبها وأقاربه جميعاً أيضا ، وتم حجز كافة شبابهم والذين كانوا أكثر من 13 شابا من بينهم خطيبها الشهيد صالح . ظلت سوسن وفية لخطيبها ولم تنزع حلقته أبداً ، على الرغم من المعاناة وطول سنوات الانتظار المريرة ، وزواج كافة أخوتها وأخواتها وانتشارهم بين دول العالم إلا أخوين من أخوتها وشقيقتها الكبرى التي ظلت إلى جانبها في بيت العائلة بطهران وفيما بعد هاجر والديها إلى الدنيمارك ليعيشوا قرب أحد إخوتها هناك وعلى أساس أن تلحق بهما سوسن وأختها فيما بعد ولكن لم يتسنى لهن ذلك لأنهن كن قد تجاوزن الثمانية عشر من العمر ، أثرت كل هذه المحن على نضارة زنبقة البرية البيضاء ، وأصبحت تذبل يوما بعد يوم وانكسرت تماماً ، بعد سقوط الطاغية وفي يوم مشؤوم أعلن فيه عن تغييب واستشهاد إخوتها وخطيبها والآخرين من شباب الكورد الفيليين المحجوزين في سجون البعث الشوفيني . هرعت إلى بيتهم في طهران ، عندما سمعت أنهم اعلموا باستشهاد شبابهم ويقيمون العزاء على أرواحهم للمشاركة في المراسم وتعزيتهم ، وكنت تواقة لرؤية سوسن ، شرعت أبحث عنها وسط مئات من النساء المعزيات وصوت البكاء والصراخ والعويل ، لمحتها جالسة في ركن من الدار تبكي وتضرب يدا بيد وتكرر قائلة ( مالد رميا داله كه ، مالد رميا داله كه : أي : إنهجم بيتج يومه ، انهجم بيتج يومه ) ، جلست قربها ، قبلتها ، ولم استطع في البداية التعبير بأية كلمة يمكن أن تخفف من شدة المصيبة التي حلت بها وبعائلتها إلا بالبكاء .. والبكاء .. والبكاء . بعد فترة ، مسكت يدها وبدأت أقبلها وأقول
لها : سوسن لستم وحدكم في هذا الحال انظري إلى الجميع ، كلنا فقدناهم ، فلا
تفعلي بنفسك هكذا لأنك ستمرضين ، كانت شقيقتها قربنا فطلبت منها أن تهون
عليها وترعاها الآن أكثر من أي وقت مضى . أصيبت سوسن في الآونة الأخيرة بمرض
السرطان الذي لم يرحمها هو الآخر كما لم ترحمها الغدة السرطانية البعثية عام
1980التي وجهت لها الضربة الأولى وقضت على كافة آمالها بالحياة الحرة الكريمة
. وعلى الرغم من ذلك كانت تواصل الدوام في الدائرة التي تعمل فيها في بغداد
وكانت تصر على التواصل في وظيفتها لأنها تعتبره حق من حقوقها ككوردية فيلية
حرمت منه سنوات طويلة ، ً لكن المرض كان أقوى من وردة السوسن الرقيقة ،
وقتلها . وبرأي إنها قتلت ولم تموت موتاً عادياً يوم الأربعاء 10/09/2008...
|